الرياض – دواء نيوز – أغسطس 2025
في خطوة استراتيجية تؤكد طموحات المملكة في “رؤية 2030″، أطلقت المملكة العربية السعودية شركة “هيومن” المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، كلاعب رئيسي في قطاع الذكاء الاصطناعي. هذه المبادرة لا تعكس فقط التزام المملكة بتوطين التقنيات المتقدمة، بل تهدف أيضًا إلى وضعها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، يبرز الذكاء الاصطناعي كقوة تحويلية في كل المجالات، وربما كان أثرها الأعمق والأكثر إثارة للجدل في قطاع الرعاية الصحية. فمن التشخيص الدقيق للأمراض إلى تسريع اكتشاف الأدوية، يبدو أننا على أعتاب ثورة طبية حقيقية. لكن مع كل خطوة نحو هذا المستقبل الواعد، تبرز تساؤلات حاسمة حول الأخلاقيات، والمسؤولية، ومستقبل العلاقة بين الطبيب والمريض.
في هذا الحوار، نتعمق في هذا الموضوع مع الدكتور محمد توفيق، الخبير في سوق الدواء والرعاية الصحية، لنكشف عن الفرص والتحديات التي يحملها الذكاء الاصطناعي للعالم العربي والعالم أجمع.
دكتور محمد توفيق، كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعي على القطاع الصحي عالميًا؟
في الحقيقة، ما نشهده هو ثورة حقيقية. الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مفهوم مستقبلي، بل هو أداة فعّالة تُستخدم الآن في كل مرحلة من مراحل الرعاية الصحية. فمن المتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية عالميًا من 26.69 مليار دولار في عام 2024 إلى أكثر من 613.81 مليار دولار بحلول عام 2034. تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في كل شيء، بدءًا من اكتشاف الأدوية وتطويرها، مرورًا بالتشخيص الدقيق، وحتى إدارة المستشفيات والملفات الطبية.
على سبيل المثال، أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، وهو ما قد يستغرق من البشر ساعات أو أيامًا. هذا يسرّع من عملية التشخيص ويحسن من دقتها، مما قد يساعد في إنقاذ حياة الكثيرين.
وماذا عن الوضع في الوطن العربي؟ هل نحن على نفس المسار؟
بدأنا نرى خطوات جدية ومبشرة في العديد من الدول العربية. هناك استثمارات كبيرة في تطوير بنية تحتية رقمية قوية، وهناك مبادرات حكومية لدعم التحول الرقمي في قطاع الصحة. ويُتوقع أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 1.46 مليار دولار بحلول عام 2030 طبقا لتقريرGrand View Research، مع توقع أن تسجل المملكة العربية السعودية أعلى معدل نمو في المنطقة.
تعد شركة “هيومن” (HUMAIN) المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، خطوة استراتيجية عملاقة، حيث لا تهدف إلى مجرد استيراد التقنيات الجاهزة، بل تسعى لتطوير بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات المتطورة، والحوسبة السحابية، وتطوير نماذج لغوية كبيرة (LLMs) باللغة العربية، مثل نموذج “عَلَّام”. وكمؤشر على حجم هذا الالتزام، فإن الشركة بصدد إطلاق صندوق رأسمال استثماري بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وقد وقّعت بالفعل صفقات بقيمة 23 مليار دولار مع شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى مثل نفيديا وإيه إم دي.
ورغم هذه التطورات، لا يزال هناك مجال كبير لمزيد من التطبيق العملي. فقد وجدت دراسة حديثة منشورة في مجلة PMC – PubMed Central أن 5.88% فقط من المستشفيات الكبرى في السعودية لديها مراكز مخصصة لأبحاث الذكاء الاصطناعي، بينما طبقت 8.82% منها الذكاء الاصطناعي في رعاية المرضى. ولكن في المقابل، نرى مبادرات رائدة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في تخطيط علاج الأورام، ومستشفى صحة الافتراضي الذي يتعاون مع شركة كورية جنوبية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في فحص سرطان الثدي والسل.
لكن دكتور محمد، رغم هذه الإيجابيات، تظهر مخاوف كبيرة. أبرزها، ما يحدث لو أخطأ الذكاء الاصطناعي في تشخيص أو علاج؟ ومن سيتحمل المسؤولية؟
هذا هو السؤال الأهم، وهو جوهر النقاش الأخلاقي والقانوني اليوم. تكمن المشكلة في أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، رغم دقتها، ليست مثالية. يمكن أن تحدث أخطاء، سواء بسبب عيوب في البيانات التي تم تدريبها عليها أو لأسباب تقنية. في حالة حدوث خطأ، من هو المسؤول؟ هل هو المبرمج؟ الشركة المصنّعة للنظام؟ الطبيب الذي استخدم الأداة؟ لا توجد إجابة واضحة حتى الآن، والتشريعات العالمية ما زالت في طور التكوين. وعلى عكس هيئات تنظيمية عالمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، فإن الأطر القانونية للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا تزال قيد التطوير.
وهل هناك مخاوف من أن تكون أولويات الذكاء الاصطناعي تجارية أو غير أخلاقية؟ بمعنى، كيف نضمن أن هدفها الأساسي هو صحة الإنسان وليس الربح؟
هذه نقطة جوهرية أخرى. أنظمة الذكاء الاصطناعي يتم تدريبها على بيانات ومعلومات يحددها البشر، وبالتالي فإن أخلاقيات المبرمجين والشركات هي التي تحدد أولويات هذه الأنظمة. الضمان الوحيد هو وضع إطار تنظيمي وأخلاقي صارم، يضمن أن تصميم هذه الأنظمة يخدم مصلحة المريض أولًا وأخيرًا. يجب أن تكون هناك شفافية كاملة في كيفية عمل الخوارزميات، وأن تخضع لرقابة مستقلة.
إذن، ما هي رؤيتك للمستقبل دكتور محمد؟ هل ستكون أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من عمل الممارس الصحي؟
أنا أرى أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الممارس الصحي، بل سيصبح شريكًا أساسيًا له. سيقوم بالمهام الروتينية والمملة، مثل تحليل الأشعة أو قراءة التقارير، مما يتيح للممارسين الصحيين التركيز على الجانب الإنساني من الرعاية مثل التواصل مع المريض، وبناء الثقة، وتقديم الدعم النفسي. المستقبل سيكون تعاونيًا، حيث يعمل الإنسان والآلة معًا لتحقيق أفضل النتائج الصحية. وتشير التوقعات إلى أن الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يولدا قيمة اقتصادية تصل إلى 27 مليار دولار لقطاع الرعاية الصحية السعودي بحلول عام 2030 وفقا لموقع Global Health Exhibition، مما يؤكد أن المملكة تتخذ خطوات حاسمة نحو أن تصبح قائدًا إقليميًا وعالميًا في هذا المجال.
.











