على مدى سنوات، وُصف الذكاء الاصطناعي (AI) بأنه الأداة القادرة على إحداث ثورة في صناعة الأدوية. من المقالات العلمية إلى تقارير وول ستريت، كانت التوقعات تتحدث عن تسريع عمليات الاكتشاف، تقليل التكاليف، وفتح الباب أمام علاجات لم يكن ممكنًا تطويرها بالوسائل التقليدية.
لكن هذه الوعود بقيت طويلاً في إطار النماذج الحاسوبية الافتراضية. اليوم، ومع دخول أدوية صُممت بالذكاء الاصطناعي إلى التجارب السريرية على البشر، يتحول الذكاء الاصطناعي من فكرة نظرية إلى واقع ملموس.
المرحلة الحالية تُعتبر اختبارًا حاسمًا: هل سينجح الذكاء الاصطناعي في تقديم أدوية جديدة إلى السوق، أم أنه سيظل مجرد أداة مساعدة في البحث؟
مراحل دعم الذكاء الاصطناعي للبحث والتطوير الدوائي
الذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة بل منظومة من الأدوات والخوارزميات التي تؤثر في كل مرحلة:
-
مرحلة الاكتشاف المبكر: تحديد أهداف علاجية جديدة، توليد مركبات كيميائية مبتكرة، التنبؤ بتفاعلات البروتين-الدواء، تحسين المركبات المرشحة.
-
مرحلة ما قبل السريرية: تصميم مركبات بأفضل خصائص حركية دوائية وسُمية منخفضة.
-
المرحلة السريرية: اختيار المرضى بدقة أكبر، تقليل تكاليف الدراسات، إعادة توظيف الأدوية الموجودة.
-
التسويق والمتابعة: التنبؤ بالآثار الجانبية طويلة الأمد، وتحديد فرص جديدة لاستخدام نفس المركب.
من الافتراضي إلى العيادة: أولى التجارب السريرية
من الأمثلة الأبرز:
-
Insilico Medicine: دواء INS018_055 لعلاج التليف الرئوي صُمم بالكامل عبر منصتها Pharma.AI. انتقل من اكتشاف الهدف العلاجي إلى تقديم ملف دواء جديد في أقل من 30 شهرًا. وهو الآن في المرحلة الثانية من التجارب.
-
BenevolentAI: تستخدم منصتها لتحديد أهداف علاجية لأمراض الكلى والتليف بالتعاون مع AstraZeneca.
-
Recursion Pharmaceuticals: جمعت بيانات خلوية هائلة لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي تساعد في إعادة توظيف الأدوية والتعرف على مسارات جديدة للأمراض.
-
Schrödinger: تستخدم المحاكاة الجزيئية القائمة على الذكاء الاصطناعي لتطوير أدوية للأورام وأمراض المناعة.
شركات الأدوية الكبرى تدخل السباق
Pfizer – فايزر
-
استثمرت فايزر في أدوات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية بالتعاون مع شركات مثل IBM Watson سابقًا، وحاليًا مع شركات ناشئة في مجال البيانات.
-
تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات التجارب السريرية، مما يساعد على اختيار المرضى بدقة أكبر وتقليل معدلات فشل الدراسات.
-
دخلت في شراكات مع CytoReason الإسرائيلية لتحليل بيانات المناعة وتطوير أدوية جديدة.
Roche – روش
-
تملك روش استثمارات ضخمة في البيانات الضخمة من خلال ذراعها Genentech.
-
تتعاون مع Recursion وFlatiron Health لتحليل بيانات الأورام وتطوير نماذج دقيقة للعلاجات الموجهة.
-
تسعى روش لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم بروتينات علاجية وAntibodies جديدة.
AstraZeneca – أسترازينيكا
-
تعاونت مع BenevolentAI لاكتشاف أهداف علاجية جديدة لأمراض الكلى والتليف.
-
تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأنسجة والخلايا لتسريع أبحاث الأورام.
-
لديها مبادرات داخلية لتطبيق AI في الطب الشخصي عبر اختيار العلاج المناسب لكل مريض وفق بياناته الجينية.
Bayer – باير
-
دخلت في شراكة مع Recursion بقيمة 1.5 مليار دولار لتطوير أدوية عبر تحليل صور خلوية باستخدام الذكاء الاصطناعي.
-
تستهدف بشكل خاص الأمراض النادرة والمجالات التي يصعب فيها تبرير الاستثمار بوسائل البحث التقليدية.
Merck – ميرك
-
استثمرت ميرك في أدوات اكتشاف الأدوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا في مجال الأمراض العصبية.
-
لديها تعاونات مع شركات مثل Atomwise لاستخدام الذكاء الاصطناعي في فحص ملايين المركبات الكيميائية بسرعة فائقة.
القيمة المضافة: السرعة والكفاءة
-
تطوير دواء جديد تقليديًا يستغرق 10–15 عامًا ويكلف أكثر من 2 مليار دولار.
-
الذكاء الاصطناعي يعد بخفض هذه المدة إلى أقل من 5 سنوات في بعض الحالات.
-
على سبيل المثال، Insilico قللت المدة إلى 30 شهرًا فقط للوصول إلى المرحلة السريرية.
التحديات التي لا تزال قائمة
-
الموثوقية: هل يمكن الاعتماد على التنبؤات الحسابية في أمراض معقدة؟
-
الملكية الفكرية: هل يمكن تسجيل براءة اختراع لدواء “اخترعته” خوارزمية؟
-
الشفافية: كيف يمكن تفسير قرارات الخوارزميات المعقدة أمام الهيئات التنظيمية؟
-
التجارب السريرية: معظم حالات الفشل تحدث في المراحل المتأخرة، حيث لم يثبت بعد أن الذكاء الاصطناعي يقلل معدلات الفشل.
الجانب الاستثماري: بين الطفرة والواقعية
-
خلال فترة الطفرة 2021–2022، جمعت شركات AI Biotech مليارات عبر الاكتتابات العامة وصفقات SPAC.
-
لكن التقييمات انهارت لاحقًا: BenevolentAI فقدت 70% من قيمتها، وRecursion تعرضت لضغوط من المستثمرين.
-
المستثمرون اليوم يركزون على النتائج السريرية الحقيقية وليس مجرد الوعود التقنية.
المستقبل: ما بعد الجزيئات الصغيرة
-
استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الأجسام المضادة والعلاجات البيولوجية.
-
تحسين رسائل mRNA لتطوير لقاحات وعلاجات أكثر فاعلية.
-
دعم الطب الشخصي عبر اختيار العلاج الأمثل بناءً على بيانات الجينوم والبيانات السريرية.
-
تحسين تصميم التجارب السريرية نفسها، عبر اختيار المرضى بدقة وتقليل الأخطاء.
خاتمة
مع دخول الجيل الأول من الأدوية المصممة بالذكاء الاصطناعي إلى التجارب السريرية، فإن صناعة الدواء تقف على أعتاب عصر جديد. الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة مساعدة، بل قد يصبح المحرك الأساسي للابتكار الدوائي خلال العقد القادم.
إذا نجحت أولى هذه الأدوية في الحصول على موافقات تنظيمية، فإن العقد القادم قد يُعرف فعلًا بأنه: “العقد الذي صُممت أدويته بالذكاء الاصطناعي.”
للمزيد من اخبار شركات الادوية المصرية والسعودية والعالمية واخبار الصحة و سوق الدواء المصري والسعودي والشرق الاوسط تابع دواء نيوز- أخبار الدواء علي لينكدن :











