خاص – دواء نيوز | يناير 2026
رؤية الدكتور محمد توفيق، الباحث والخبير في سوق الدواء، لمشهد سوق الدواء العربي خلال 2026
دخل سوق الدواء العربي عام 2026 عند نقطة تحوّل نوعية؛ إذ لم تعد العناوين الرئيسية محصورة في “تأمين النواقص” أو إدارة “سلاسل الإمداد”، بل انتقلت دفة الاهتمام إلى مفاهيم أعمق وأكثر استراتيجية مثل “السيادة الدوائية” وتوطين تقنيات التصنيع الحيوي (Biologics). هذا التحول في اللغة ليس مجرد تبدّل في المصطلحات، بل يعكس تغيّرًا في طريقة التفكير لدى الحكومات والجهات المنظمة والشركات—من إدارة أزمة إلى بناء قدرة، ومن استجابة ظرفية إلى صياغة نموذج إنتاج طويل الأمد. وفي ظل وصول حجم السوق في المنطقة العربية إلى مستويات قياسية، تتشكل هذا العام خارطة طريق جديدة للاستثمار الدوائي، تقودها ثلاث قوى رئيسية: المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، مع أدوار داعمة تتنامى في دول الخليج.
وفق رؤية الدكتور محمد توفيق، فإن 2026 هو عام “الفرز”؛ عام يُميّز بين من يملك القدرة على التكيف مع شروط جديدة—منها المحتوى المحلي والاستدامة وتوطين التكنولوجيا—ومن يعتمد على قواعد قديمة لم تعد كافية. وعليه، فإن الشركات التي ستكسب في هذا السياق ليست بالضرورة الأكبر حجمًا، بل الأكثر قدرة على بناء شراكات محلية، ونقل المعرفة، وتطوير خطوط إنتاج يمكنها الصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي وأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد.
السعودية: 42 مليار ريال… والتحول نحو “نوبكو 2026”
مع انطلاق مناقصات “نوبكو” لعام 2026، أصبحت الرسالة—وفق قراءة الدكتور محمد توفيق—أكثر وضوحًا للشركات العالمية: التصنيع المحلي هو تذكرة الدخول. فقد اعتمدت “نوبكو” معايير صارمة تمنح الأولوية القصوى للمنتج المحلي، بما يعكس انتقال السوق السعودي من “جذب الإمدادات” إلى “إعادة هندسة مصادرها” داخل المملكة. وفي هذا الإطار، لم يعد السؤال الأساسي: “هل لديك منتج؟” بل “أين تُنتج؟ وما نسبة المحتوى المحلي؟ وما مدى مواءمة مشروعك مع الرؤية الصناعية والتنظيمية للسوق؟”.
وتشير التوقعات إلى وصول حجم السوق السعودي إلى 42 مليار ريال خلال 2026، مدفوعًا بنمو سنوي قدره 5%. لكن الأهم من الرقم هو سياقه: سوق ينمو، وفي الوقت نفسه يرفع سقف الاشتراطات. وهو ما يصنع نموذجًا مزدوجًا: فرص كبيرة لمن يلتزم بقواعد “التوطين الذكي”، وتحديات حقيقية لمن يكتفي بنموذج التوريد التقليدي.
ضمن هذه الصورة، تتقدم ثلاثة محاور إلى الواجهة:
مصر: توطين بنسبة 94%… وملف التكلفة تحت المجهر
في القاهرة، يضع عام 2026 هدفًا كبيرًا على طاولة القطاع: تغطية 94% من احتياجات السوق محليًا، مع تركيز مكثف على ثلاثة مجالات علاجية شديدة الحساسية هي: أدوية الأورام، الهرمونات، والإنسولين. ويعكس هذا الهدف طموحًا تنظيميًا وصناعيًا يرمي إلى تعزيز الاستقلالية الدوائية وتقليل أثر الصدمات الخارجية. لكن مع هذا الطموح، تبرز معادلة لا يمكن تجاهلها: التوطين لا يعني تلقائيًا استقرار الأسعار.
وفي هذا السياق، يصبح توطين الـAPI ليس مجرد مشروع صناعي، بل أداة سياسة صحية واقتصادية؛ لأنه يمس الأمن الدوائي، وميزان العملة الصعبة، واستقرار الإمداد، وقدرة الدولة على إدارة الأزمات.
الكويت والخليج: مصانع جديدة وتكامل عابر للحدود
على مستوى الخليج، تتجه المؤشرات إلى توسع في القدرات التصنيعية وبناء مراكز إنتاج تدعم الأمن الدوائي إقليميًا. من أبرز المحطات المتوقعة في 2026 افتتاح مشاريع كبرى، يأتي في مقدمتها مصنع “الشفاء” في الكويتالمزمع تشغيله في مارس 2026، بوصفه ركيزة للأمن الدوائي الخليجي. ويمثل هذا الحدث علامة على أن الاستثمار في التصنيع لم يعد حكرًا على سوق بعينه، بل بات جزءًا من استراتيجية إقليمية تتنافس فيها الدول على بناء قدرات محلية وتصديرية في آن واحد.
وفي المقابل، تعزز “جلفار” الإماراتية حضورها باستثمارات ضخمة في صناعة الأدوية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، بما يعكس اتجاهًا متناميًا نحو “التكامل الدوائي العابر للحدود”: تصنيع في دولة، وتمويل/تشغيل/توزيع في أخرى، وسلاسل إمداد تتحرك وفق منطق إقليمي أكثر من كونه محليًا صرفًا. هذا التكامل، بحسب رؤية الدكتور توفيق، قد يخلق فرصًا لشركات عربية كي تنمو خارج حدودها التقليدية، وتبني حضورًا إقليميًا مستدامًا، خصوصًا عندما تتقاطع المصالح مع احتياجات أسواق أفريقيا التي يشار إليها كوجهة متوقعة للشراكات والتوسع.
لماذا يُسمّى 2026 بـ«التوطين الذكي»؟
يستخدم الدكتور محمد توفيق مفهوم “التوطين الذكي” لأنه يميّز بين توطين قائم على نقل الشكل الخارجي للصناعة، وتوطين قائم على نقل التكنولوجيا والكوادر والمعايير. فالتوطين الذكي—وفق هذه الرؤية—يعني أن الدولة لا تكتفي بتجميع أو تعبئة، بل تبني قدرات بشرية، وتخلق منظومة جودة، وتستثمر في البحث والتطوير، وتربط الصناعة بالتمويل والحوافز، وتخلق طلبًا منظمًا عبر مناقصات تفضّل المنتج المحلي. وهو ما نراه يتشكل عبر “نوبكو 2026” في السعودية، وعبر هدف توطين 94% في مصر، وعبر توسع الخليج في مصانع جديدة.
ماذا ينتظر سوق الدواء في 2026؟ أبرز التوجهات
وفق رؤية الدكتور محمد توفيق، تتلخص أهم الاتجاهات التي سترسم ملامح السوق خلال 2026 في أربعة مسارات رئيسية، لكنها في الواقع تتداخل وتؤثر في بعضها البعض:
الذكاء الاصطناعي مرشح لتسريع البحث والتطوير (R&D) وتقليل زمن طرح الأدوية الجديدة، ما يرفع وتيرة المنافسة ويضغط على الشركات الأقل جاهزية تكنولوجيًا. كما يفتح مسارًا أمام شراكات جديدة بين شركات الدواء وشركات التكنولوجيا ومراكز البحث—لكن بشرط أن تكون البنية التنظيمية والبيانات قادرة على دعم هذا التحول.
يتوقع الدكتور توفيق زيادة الصفقات الكبرى لتشكيل “كيانات عربية عملاقة” قادرة على المنافسة دوليًا. الدافع هنا ليس الحجم فقط، بل القدرة على تحمل كلفة التطوير وتعقيدات التوطين والتسجيل والتوسع. ومع ارتفاع اشتراطات المحتوى المحلي والاستدامة، قد تصبح الكيانات الأكبر والأكثر تكاملًا أفضل قدرة على الاستثمار في خطوط إنتاج معقدة مثل البيولوجيات أو الـAPI.
تستمر الطفرة في الطلب على الجيل الجديد من العلاجات (GLP-1)، مع توجه لتصنيعها محليًا. وفي قراءة الدكتور توفيق، فإن هذا الملف ليس مجرد “فرصة تجارية”، بل اختبار لقدرة الصناعة العربية على التعامل مع موجات طلب عالمية تتغير بسرعة، وعلى بناء سلاسل إنتاج وتسجيل وتسعير قادرة على الاستمرار.
اتساع مظلة التأمين في مصر والسعودية والمغرب قد يرفع القوة الشرائية للدواء، ويعيد تشكيل الطلب لصالح أدوية أكثر حداثة. لكن توسع التأمين يفتح في المقابل سؤال الاستدامة: كيف يمكن تمويل الطلب المتزايد دون ضغط مفرط على الميزانيات العامة؟ وهنا يتقاطع التأمين مع التوطين؛ لأن التصنيع المحلي قد يصبح أداة لتقليل الكلفة على المدى المتوسط، إذا تم بشكل عميق وليس شكليًا.
يرى الدكتور محمد توفيق أن عام 2026 ليس مجرد عام نمو رقمي، بل عام “النضج التنظيمي”. فالدول العربية تسعى للاكتفاء الذاتي، لكن التحدي الأكبر سيظل هو تحقيق توازن دقيق بين طرفين: توفير الدواء بأسعار عادلة للمستهلك، وفي الوقت نفسه ضمان هوامش ربح كافية تحفّز الشركات على الاستمرار في الابتكار والتطوير والاستثمار في التصنيع الحيوي والمادة الفعالة.
وبين “التوطين الذكي” و“البيولوجيات” و“الـESG” و“الـGLP-1”، تبدو 2026 سنة تُعيد تعريف معنى صناعة الدواء العربية: من سوق يشتري ويستورد، إلى منظومة تنتج وتوطّن وتبني قدرات وتنافس وتُصدّر، وفق قواعد جديدة تضع “المحتوى المحلي” والتكنولوجيا والاستدامة في قلب المعادلة.












