في إطار فعاليات أسبوع أبوظبي للصحة العالمية، شارك السيد سامح الفنجري، رئيس Cluster الخليج وباكستان في شركة أسترازينيكا وأحد أبرز الأصوات الداعمة لتحول أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة، في حوار مفتوح مع الإعلامية هادلي جامبل، تناول فيه التحولات الجذرية في صناعة الدواء ودور الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في تعزيز الوقاية وإطالة العمر الصحي.
الفجوة بين الإنفاق على العلاج والوقاية
أكد الفنجري أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية عالميًا هو عدم التوازن في توزيع الإنفاق الصحي، حيث لا يتجاوز الإنفاق على برامج الوقاية 3% من إجمالي الإنفاق الصحي العالمي، في حين يذهب أكثر من 97% إلى علاج الأمراض بعد وقوعها.
وأضاف: “إذا أردنا حقًا التحول من رعاية تركز على المرض إلى رعاية تركز على الصحة، فلا بد من إعادة صياغة الأولويات نحو الوقاية والكشف المبكر.”
وأشار إلى أن الإمارات وضعت هدفًا طموحًا يتمثل في رفع نسبة الإنفاق على الوقاية لتصل إلى 50% بحلول عام 2050، وهو ما وصفه بأنه “نموذج ملهم وجريء” يمكن أن يكون مرجعًا لبقية دول العالم.
من الرعاية العلاجية إلى الرعاية الاستباقية
أوضح الفنجري أن الرؤية الجديدة للرعاية الصحية تقوم على التحول من “Sick Care” إلى “Health Care”، أي من التركيز على علاج المرض بعد ظهوره إلى التركيز على منع حدوثه من الأساس.
وهذا التحول يتطلب:
-
برامج توعية شاملة لرفع وعي المجتمع.
-
تعزيز برامج الفحص المبكر للكشف عن الأمراض في مراحلها الأولى.
-
ضمان وصول عادل ومنصف للعلاج عبر مختلف الفئات السكانية.
الذكاء الاصطناعي كمسرّع للتحول
أكد الفنجري أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم أداة لا غنى عنها في كل مراحل سلسلة القيمة الصحية، بدءًا من البحث والتطوير ووصولًا إلى المريض.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في:
-
تسريع التجارب السريرية عبر تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالنتائج.
-
تحسين كفاءة سلاسل الإمداد وضمان توفر الأدوية في الوقت والمكان المناسب.
-
تمكين الرعاية الصحية عن بُعد عبر حلول التشخيص والمراقبة الرقمية التي تحافظ على المرضى خارج المستشفيات وتقلل من أعباء النظام الصحي.
وقال: “الذكاء الاصطناعي لم يعد تكلفة إضافية… بل أصبح استثمارًا في المستقبل.”
الصحة الرقمية والرعاية عن بُعد
من أبرز التحولات التي ناقشها الفنجري هو الانتقال من مقاييس النجاح التقليدية مثل عدد الأسرة في المستشفيات، إلى مقاييس أكثر تطورًا ترتبط بقدرة النظام الصحي على إبقاء المرضى أصحاء في منازلهم.
وأشار إلى أن التطبيب عن بُعد وأدوات التشخيص الرقمية أصبحت عوامل رئيسية لتقليل التكاليف وتحسين جودة الرعاية، إلى جانب تقليل المخاطر المرتبطة بالعدوى داخل المستشفيات.
الإمارات كنموذج عالمي للوقاية
أكد الفنجري أن أبوظبي والإمارات بشكل عام أصبحت اليوم منصة إقليمية وعالمية لتجربة نماذج الرعاية الوقائية وقيادة التحول الرقمي في الصحة.
وقال إن رؤية الإمارات 2050 التي تستهدف رفع نسبة الإنفاق على الوقاية وتبني الشراكات بين القطاعين العام والخاص تقدم نموذجًا عمليًا يمكن أن يتم تبنيه عالميًا.
أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص
شدد الفنجري على أن التحول نحو رعاية صحية أكثر استدامة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر شراكات فعّالة بين الحكومات والقطاع الخاص.
وأوضح أن هذه الشراكات تتيح:
-
تبادل الخبرات والمعرفة.
-
تسريع تبني الابتكارات.
-
توسيع نطاق المبادرات الناجحة لتصبح سياسات وطنية قابلة للتطبيق على نطاق واسع.
كما أشار إلى أن وجود سياسات تنظيمية واضحة واستثمارات مستدامة أمر أساسي لنجاح هذه المبادرات.
الإنفاق الصحي: تكلفة أم استثمار؟
من أبرز النقاط التي ركز عليها الفنجري هي ضرورة تغيير النظرة التقليدية إلى الإنفاق الصحي.
وقال: “الرعاية الصحية ليست تكلفة على الميزانية… بل هي استثمار طويل الأجل في المجتمع والاقتصاد.”
وأوضح أن الإنفاق على الوقاية يحقق مكاسب اقتصادية واجتماعية مباشرة من خلال:
-
تقليل أعباء الأمراض المزمنة.
-
زيادة إنتاجية الأفراد.
-
خفض فاتورة العلاج الباهظة على الحكومات.
دروس مستفادة للعالم من أبوظبي
خلص الفنجري إلى أن أبوظبي تقدم اليوم درسًا عمليًا للعالم في كيفية استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لبناء أنظمة صحية أكثر مرونة وإنصافًا وكفاءة.
وأكد أن هذا النموذج يعتمد على:
-
تحول استراتيجي نحو الوقاية والكشف المبكر.
-
دمج التكنولوجيا الرقمية في كل مراحل الرعاية الصحية.
-
شراكات قوية بين القطاعين العام والخاص.
-
رؤية طويلة المدى تضع صحة الإنسان في صميم الخطط التنموية.
وفي تعليق له على منصته على لينكدإن، قال سامح الفنجري:
“في أسبوع أبوظبي للصحة العالمية، كان لي شرف المشاركة مع الإعلامية هادلي جامبل لمناقشة كيف أن إعادة تعريف مفهوم الصحة اليوم تعني ليس فقط إطالة العمر، بل تحسين جودة الحياة. إن سد الفجوات في رحلة المريض، من الوعي والفحص المبكر وصولًا إلى التشخيص في الوقت المناسب وضمان الوصول العادل للعلاج، يعد أمرًا محوريًا لبناء أنظمة صحية مستدامة قادرة على مواجهة المستقبل.”
وأضاف:
“وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، لا يتجاوز الإنفاق العالمي على الوقاية 3% من إجمالي الإنفاق الصحي. إن طموح الإمارات برفع هذه النسبة تدريجيًا لتصل إلى 50% بحلول عام 2050 يمثل معيارًا جريئًا وملهمًا. في أسترازينيكا، نعمل على دمج الابتكار في جميع أبعاد الرعاية الصحية، من التشخيص المعتمد على الذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية للصحة، إلى التعاون مع شركائنا في أبوظبي لخفض البصمة الكربونية لمسارات رعاية المرضى. من خلال هذه الجهود، ومعززين بشراكات قوية بين القطاعين العام والخاص، يمكننا تعزيز مرونة النظم الصحية وتقديم أثر ملموس وقابل للقياس للمرضى والمجتمع والكوكب.”
خاتمة
يُظهر الحوار في أسبوع أبوظبي للصحة العالمية أن صناعة الدواء لم تعد تقتصر على تطوير العلاجات، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في إعادة صياغة مستقبل الرعاية الصحية. ومع صعود الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تتجه الإمارات لتكون نموذجًا عالميًا يحتذى به في بناء أنظمة صحية مستدامة تركز على الوقاية والإنصاف وإطالة العمر الصحي.











