خاص بمنصة أخبار الدواء
في عالم يشهد تحولات سريعة في الرعاية الصحية وتحديات متزايدة في الوصول إلى الأدوية الأساسية، برزت شركة حكمة للأدوية كأحد النماذج العربية النادرة التي استطاعت المزج بين الرؤية المحلية والتأثير العالمي. من تأسيسها في عمّان عام 1978 على يد الراحل سامي الداود، إلى قيادتها اليوم كشركة متعددة الجنسيات تملك مصانع في ثلاث قارات، تجسد حكمة للأدوية مسيرة نجاح ملهمة في عالم صناعة الدواء.
البداية: حلم أصبح واقعًا
بدأت القصة عندما قرر المؤسس، بعد سنوات من العمل مع شركات أدوية عالمية، أن المنطقة العربية قادرة على إنتاج أدوية بجودة تضاهي المستورد. في منتصف السبعينيات، كان حلمه واضحًا: إنشاء شركة دوائية في الأردن لا تكتفي بالسوق المحلي، بل تنافس عالميًا.
عام 1978، وبدعم من شركاء تقنيين من سويسرا وإيطاليا، انطلقت “حكمة” لتبدأ مسيرة امتدت من عمّان إلى أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية.
قيم ثابتة… وثقافة متطورة
يؤكد سعادة سعيد دار، الرئيس التنفيذي الحالي، أن إرث والده كان مرتكزًا على أربعة قيم أساسية: الجودة، النزاهة، الشفافية، والعمل الجاد. هذه القيم، كما يقول، لا تتغير، لكنها تحتاج لثقافة تنظيمية قادرة على احتضان التنوع؛ فالشركة اليوم تضم أكثر من 50 جنسية في بيئة عمل واحدة.
الجودة كمفتاح للاعتراف العالمي
أحد التحولات الكبرى جاء عام 1983، عندما قررت الشركة التقدم للحصول على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). بعد خمس سنوات، حصلت “حكمة” على اعتمادها الأول، مما فتح الباب لدخول أسواق الغرب.
وبحلول 1991، اشترت الشركة Westward Pharmaceuticals في الولايات المتحدة، وبدأت رحلة توسع جعلت السوق الأمريكي اليوم يمثل نحو 70% من أعمالها.
التعامل مع تحديات سوق الأدوية الجنيسة
في سوق غالبًا ما يتعرض لانتقادات بسبب تفاوت الجودة، نجحت “حكمة” في الحفاظ على مصداقيتها من خلال:
-
دعم الجهات الرقابية المحلية لتشديد معايير الجودة.
-
الاستثمار في تقنيات متقدمة عبر الاستحواذ على شركات متخصصة، مثل مصنع أورام في ألمانيا، ومصنع تقنية التجميد (Lyophilization) في إيطاليا.
-
تقديم أدوية أورام عالية الجودة بأسعار مناسبة في أسواق مثل مصر والأردن والولايات المتحدة.
الاستثمار في التصنيع المحلي
على عكس نماذج التصدير التقليدية، تتبنى حكمة استراتيجية التواجد الفعلي في الأسواق عبر إنشاء أو شراء مصانع محلية. هذا النهج:
-
يعزز الثقة مع الحكومات والجهات التنظيمية.
-
يقلل الاعتماد على الاستيراد.
-
يسهم في خفض الأسعار مع الحفاظ على الجودة.
اليوم، تمتلك الشركة مصانع في المغرب، الجزائر، السعودية، الأردن، البرتغال، ألمانيا، إيطاليا، والولايات المتحدة.
أداء مالي ونمو عالمي لافت
لم يقتصر نجاح “حكمة للأدوية” على التوسع الجغرافي، بل انعكس أيضًا في أرقام أعمالها القوية. فقد شهدت الشركة نموًا مستدامًا في الإيرادات على مدار العقدين الماضيين، مدفوعة بتنوع منتجاتها وانتشارها في أكثر من 50 سوقًا عالميًا.
تمتلك الشركة اليوم أكثر من 30 منشأة تصنيع في 3 قارات، تشمل مصانع استراتيجية في الولايات المتحدة، أوروبا، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يمنحها قدرة إنتاجية مرنة واستجابة سريعة لاحتياجات الأسواق.
كما حققت هوامش ربحية مرتفعة مقارنة بمتوسط القطاع، بفضل كفاءة التشغيل، والاعتماد على تقنيات تصنيع متقدمة، وسياسات صارمة للجودة. هذه النتائج جعلت “حكمة” تحافظ على مكانتها بين الشركات الدوائية الأسرع نموًا في المنطقة، وجاذبة لأنظار المستثمرين الدوليين الذين يبحثون عن فرص في أسواق الصحة والدواء ذات النمو المرتفع.
القيادة من القطاع الخاص إلى وزارة الصحة
بين عامي 2003 و2006، شغل سعيد دار منصب وزير الصحة الأردني. انتقاله من بيئة شركات سريعة الإيقاع إلى جهاز حكومي بطيء نسبيًا كان تحديًا، لكن خبرته في الإدارة الاستراتيجية مكنته من:
-
إطلاق برامج وقائية للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة.
-
توفير التأمين الصحي المجاني للأطفال دون السادسة وكبار السن بأسعار رمزية.
-
تأسيس مجلس اعتماد المؤسسات الصحية لرفع معايير الجودة.
شراكات بين القطاعين العام والخاص
واحدة من أبرز النماذج كانت في تطوير قسم الأورام في مستشفى البشير، حيث تعاونت منظمات غير حكومية، وزارة الصحة، مركز الحسين للسرطان، وعائلة المؤسس لتوفير بيئة علاجية تضاهي المعايير العالمية في مستشفى حكومي.
المرونة في مواجهة الأزمات – تجربة جائحة كوفيد-19
مع انتشار الجائحة، ساعد نموذج التصنيع المحلي المتعدد على استمرار الإنتاج بنسبة 90% رغم الإغلاقات العالمية.
كما لعبت الشركة دورًا إنسانيًا بإرسال أدوية الطوارئ إلى دول المنطقة بالتنسيق مع الحكومات، مع دعم الموظفين عبر سياسات عمل مرنة.
تمكين المرأة والتنمية المستدامة
منذ 1980، تدفع الشركة تكاليف حضانات الأطفال للعاملات، قبل أن يصبح ذلك إلزاميًا قانونيًا. واليوم، تشكل النساء نحو 43% من مجلس الإدارة، وتدير الشركة برامج لتمكين المرأة في المناصب القيادية.
الابتكار والتكنولوجيا
ترى حكمة أن الذكاء الاصطناعي سيغير قواعد اللعبة في صناعة الدواء، سواء في البحث والتطوير أو في العمليات التشغيلية، وتعمل على إدخاله تدريجيًا بما يتماشى مع الأطر التنظيمية.
دروس في القيادة
يختتم سعيد دار الحوار برسالة واضحة:
“أي مشروع ناجح يجب أن يحقق مكاسب لجميع الأطراف المعنية. إذا شعر كل طرف أنه فائز، سيعمل الجميع على ضمان استمرارية النجاح.”
بهذا المسار، لم تعد “حكمة للأدوية” مجرد شركة أردنية ناجحة، بل أصبحت نموذجًا عالميًا في كيفية بناء شركة أدوية قائمة على الجودة، الابتكار، والشراكة المجتمعية، قادرة على المنافسة في أكثر أسواق العالم صرامة، دون التخلي عن رسالتها في توفير الدواء الآمن والفعال بأسعار عادلة.
للمزيد من اخبار شركات الادوية المصرية والسعودية والعالمية واخبار الصحة و سوق الدواء المصري والسعودي والشرق الاوسط تابع دواء نيوز- أخبار الدواء علي لينكدن :











