في وقت تتعرض فيه شركات الأدوية في المنطقة لضغوط متشابكة تتراوح بين ارتفاع تكاليف التشغيل، وتشدد بيئات التمويل، وتعقيد سلاسل الإمداد، وتنامي المنافسة على الحصص السوقية داخل الخليج وخارجه، جاءت نتائج شركة الخليج للصناعات الدوائية – جلفار عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر 2025 لتقدم رسالة واضحة إلى السوق: الشركة لا تتحرك فقط في اتجاه تحسين الأداء، بل تدخل مرحلة أكثر عمقًا من إعادة التموضع المالي والتشغيلي والاستراتيجي.
فالأرقام المعلنة لا تعكس مجرد تحسن سنوي طبيعي، بل تشير إلى سنة انتقالية فارقة في مسار الشركة. جلفار سجلت 173.3 مليون درهم أرباحًا صافية خلال 2025، مقابل 44.9 مليون درهم في العام السابق، كما رفعت إيرادات العمليات المستمرة إلى 1.0755 مليار درهم مقارنة بـ 992.2 مليون درهم في 2024، بنمو بلغ 8.4%. وفي الوقت نفسه، تمكنت من خفض صافي مديونيتها بشكل حاد، وتحقيق تدفقات نقدية تشغيلية إيجابية، والمضي في إعادة هيكلة جزء من محفظتها التشغيلية، إلى جانب إطلاق مسار جديد للتوسع الصناعي في المملكة العربية السعودية.
هذه الصورة تجعل نتائج جلفار ذات أهمية خاصة ليس فقط للمستثمرين، بل أيضًا للعاملين في القطاع الصحي، وشركات التصنيع والتوزيع الدوائي، وكل من يتابع اتجاهات التحول في سوق الدواء الخليجي.
نمو الإيرادات يعكس مرونة النشاط الأساسي
حين ننظر إلى أول مؤشر رئيسي في النتائج، وهو الإيرادات، نلاحظ أن جلفار رفعت إيراداتها من العمليات المستمرة إلى 1.0755 مليار درهم في 2025، مقابل 992.2 مليون درهم في 2024. هذا النمو بنسبة 8.4% ليس هامشيًا، خصوصًا إذا وضعناه في سياق بيئة إقليمية ما زالت تواجه تغيرات في الطلب، واختلالات في تكاليف النقل والتشغيل، وضغوطًا على هوامش الربحية في عدد من الأسواق.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في زيادة الرقم المطلق، بل في دلالة هذا النمو على قدرة الشركة على حماية قاعدة أعمالها الأساسية وتطويرها. فالقطاع الدوائي لا يتعامل مع دورة بيع قصيرة أو متقلبة فقط، بل يتأثر أيضًا بالسياسات التنظيمية، والمناقصات، والاعتمادات، وسرعة تسجيل المنتجات، وكفاءة التوزيع، وإدارة العلاقات مع مزودي الرعاية الصحية والجهات الشرائية. وبالتالي، فإن نمو الإيرادات في هذه البيئة يعني أن هناك أداءً تشغيليًا وتجاريًا تحسن بالفعل.
كما أن الشركة أشارت إلى استمرار تحقيق تقدم في الحصة السوقية داخل أسواقها الأساسية، سواء في القطاع الخاص أو في قطاع المناقصات، مع زخم واضح في معظم أسواق مجلس التعاون الخليجي. وهذا يضيف بعدًا مهمًا للتحليل، لأن الإيرادات في هذه الحالة لا تأتي فقط من أثر سعري أو استثنائي، بل من تحسن فعلي في موضع الشركة داخل السوق.
من الخسارة إلى الربح في العمليات المستمرة
من أهم التحولات في أداء جلفار خلال 2025 أنها لم تعتمد فقط على أرباح استثنائية أو تخارجات، بل نجحت أيضًا في استعادة الربحية داخل النشاط المستمر نفسه. فقد سجلت الشركة ربحًا قبل الضريبة من العمليات المستمرة بلغ 47.4 مليون درهم، بعدما كانت قد سجلت خسارة قبل الضريبة قدرها 6.6 مليون درهم في 2024.
وبعد احتساب الضريبة والزكاة، حققت جلفار 43.9 مليون درهم ربحًا من العمليات المستمرة، مقارنة بـ خسارة بلغت 9.3 مليون درهم في العام السابق. هذه النقلة لها وزن كبير في قراءة المستثمرين والمحللين، لأنها تعني أن النشاط الأساسي للشركة أصبح أكثر قدرة على توليد القيمة، وأن التحسن لم يأتِ فقط من إعادة تصنيف أصول أو بيع شركات تابعة.
ومن المؤشرات اللافتة أيضًا أن الشركة أوضحت في تقريرها أن هامش التشغيل ارتفع إلى 6% في 2025 مقابل 5% في 2024. ورغم أن نقطة مئوية واحدة قد تبدو محدودة على الورق، فإنها في الصناعة الدوائية قد تعني الكثير، لأنها تعكس تحسنًا في خليط المنتجات، والانضباط في المصروفات، وكفاءة أعلى في الإنتاج، وإدارة أفضل للضغوط التشغيلية.
EBITDA تؤكد تحسن القدرة التشغيلية
في قراءة نتائج الشركات الصناعية والدوائية، كثيرًا ما ينظر المستثمرون إلى EBITDA باعتبارها مرآة أوضح للقدرة التشغيلية الفعلية، لأنها تعزل بعض التأثيرات المحاسبية والتمويلية وتبرز ما إذا كان النشاط الأساسي ينتج قيمة أم لا. وفي هذا الجانب، حققت جلفار تطورًا واضحًا، إذ ارتفعت EBITDA للعمليات المستمرة إلى 109.4 مليون درهم في 2025، مقابل 89.5 مليون درهم في 2024.
هذا التحسن مهم لأنه يشير إلى أن الشركة لم تكتفِ بتحسين نتائجها النهائية، بل عززت جودة الأرباح نفسها. فحين تنمو الإيرادات، ويرتفع الربح التشغيلي، وتتحسن EBITDA في الوقت ذاته، فإن ذلك يبعث برسالة أقوى إلى السوق: هناك تحسن هيكلي في الأداء، وليس مجرد أثر مؤقت.
وبالنسبة للقطاع الدوائي تحديدًا، فإن ارتفاع EBITDA يعني أن الشركة أصبحت أقدر على تمويل نشاطها، وتحمل تكاليف التطوير، والحفاظ على مرونة مالية أفضل في مواجهة تقلبات الأسواق أو المتطلبات التنظيمية أو الدورات الطويلة للتحصيل.
قفزة الأرباح النهائية… لكن مع قراءة مهنية دقيقة
سجلت جلفار في 2025 173.3 مليون درهم أرباحًا صافية، مقارنة مع 44.9 مليون درهم في 2024، وهو فارق كبير يعكس بوضوح قوة التحول الذي شهدته الشركة خلال العام. كما بلغ الربح العائد إلى مساهمي الشركة الأم 172.2 مليون درهم، مقارنة بـ 44.6 مليون درهم في العام السابق، فيما ارتفعت ربحية السهم الأساسية والمخففة إلى 14.91 فلسًا إماراتيًا مقابل 3.86 فلسًا في 2024.
لكن القراءة المهنية الدقيقة لهذه الأرقام تقتضي التمييز بين ما تحقق من النشاط المستمر، وما تحقق من العمليات المتوقفة أو التخارجات. فالشركة استفادت أيضًا خلال 2025 من أرباح العمليات المتوقفة، والتي تضمنت مكسبًا من بيع إحدى الشركات التابعة بقيمة 111.2 مليون درهم بعد الضريبة. وهذه الأرباح لعبت دورًا مهمًا في رفع الرقم النهائي لصافي الربح.
هذا لا ينتقص من جودة النتيجة، لكنه يضعها في إطارها الصحيح. فهناك جانب تشغيلي تحسن فعلًا، وهناك أيضًا جانب استراتيجي يتعلق بإعادة الهيكلة والتخارج من بعض الأصول أو الأنشطة. وعندما يجتمع العاملان في سنة واحدة، فإن النتيجة تكون قفزة قوية في الأرباح، كما حدث مع جلفار في 2025.
خفض المديونية… نقطة التحول الأهم في الصورة المالية
ربما يكون التطور الأكثر تأثيرًا في نتائج جلفار هذا العام هو ما حدث على مستوى المركز المالي، وبالتحديد المديونية. فقد أوضحت الشركة أن صافي الدين بلغ 263.8 مليون درهم بنهاية 2025، منخفضًا بنسبة 71.1% مقارنة بالعام السابق. هذه النسبة وحدها كافية لتفسير كثير من التحسن في نظرة السوق إلى الشركة.
المديونية المرتفعة تمثل دائمًا عبئًا ثقيلًا على شركات التصنيع، خاصة في القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات رأسمالية مستمرة وتمويل للمخزون والعمليات. وكلما ارتفع الدين، ارتفعت معه تكاليف التمويل، وتقلصت مساحة التحرك أمام الإدارة. لذلك فإن خفض صافي الدين بهذا الشكل يعد خطوة استراتيجية بامتياز، وليس مجرد تحسن حسابي.
وقد انعكس ذلك بالفعل على قائمة الأرباح والخسائر، حيث تراجعت تكاليف التمويل للعمليات المستمرة إلى 28.3 مليون درهم في 2025، مقابل 59.8 مليون درهم في 2024. هذا التراجع يمنح الشركة متنفسًا واضحًا، ويعزز قدرتها على توجيه الموارد نحو التشغيل والتوسع بدلًا من استنزافها في خدمة الدين.
ولذلك يمكن القول إن جلفار لم تحقق فقط نموًا في الأرباح، بل أصلحت أيضًا إحدى أهم نقاط الضغط على هيكلها المالي، وهو ما يمنح 2025 صفة “عام التحول المالي” عن جدارة.
تدفقات نقدية تشغيلية إيجابية تدعم مصداقية الأداء
في أي تحليل مالي احترافي، لا يكفي النظر إلى الأرباح المعلنة وحدها، لأن التدفقات النقدية هي الاختبار الأكثر صرامة لجودة الأداء. وهنا تظهر نقطة قوة إضافية في نتائج جلفار، إذ حققت الشركة 120.9 مليون درهم تدفقات نقدية إيجابية من الأنشطة التشغيلية في 2025.
صحيح أن هذا الرقم أقل من 190 مليون درهم في 2024، لكنه يظل رقمًا إيجابيًا ومهمًا للغاية، لأنه يؤكد أن النشاط الأساسي يولد سيولة فعلية. وهذا عامل شديد الأهمية في شركات الدواء، نظرًا لأن طبيعة النشاط تتطلب تمويلًا مستمرًا للمخزون، وإدارة دقيقة للدورات النقدية، وتحمل آجال تحصيل قد تمتد لعدة أشهر، خاصة في بعض القنوات.
إيجابية التدفقات النقدية التشغيلية تعني أن جلفار لا تعتمد فقط على عمليات بيع أصول أو تمويل خارجي لتدعيم وضعها، بل لديها أيضًا قدرة ذاتية على توليد النقد من داخل النشاط. وهذه نقطة تمنح المستثمرين درجة أعلى من الثقة، كما تعطي للإدارة مساحة أكبر لتمويل الاستثمار والتطوير في المرحلة المقبلة.
إعادة هيكلة المحفظة التشغيلية: تركيز أكبر على النشاط الأهم
من الملامح اللافتة في نتائج 2025 أن جلفار واصلت إعادة ترتيب محفظتها التشغيلية. فقد قبلت الشركة عرضًا ملزمًا من مجموعة البطحاء للرعاية الصحية للاستحواذ على بعض أنشطة التجزئة والتوزيع في الإمارات وسلطنة عمان، مع تصنيف الأصول والالتزامات المرتبطة بها كأصول محتفظ بها للبيع في نهاية العام.
هذه الخطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو إعادة التركيز، وهو أمر غالبًا ما يكون مطلوبًا حين ترغب الشركات في تحسين الكفاءة وتوجيه رأس المال إلى الأنشطة الأعلى عائدًا. كما جدد مجلس الإدارة نيته بيع الشركة التابعة في إثيوبيا، بما يؤكد أن جلفار تتحرك وفق رؤية لإعادة تشكيل هيكل الأعمال وليس فقط معالجة نتائج سنة واحدة.
الرسالة هنا أن الشركة تعيد تعريف أين تريد أن تركز مواردها، وأين ترى مستقبلها الحقيقي. وبالنسبة للمستثمرين، فإن الشركات التي تجرؤ على إعادة تشكيل محفظة أعمالها غالبًا ما تكون أكثر قدرة على بناء قصة نمو أكثر تماسكا على المدى المتوسط.
السعودية… الرهان الصناعي الجديد
من أكثر النقاط التي تهم العاملين في الصناعة الدوائية والخبراء والمستثمرين على حد سواء، ما أعلنته جلفار بشأن بدء استثمارات استراتيجية في المملكة العربية السعودية لإنشاء منشأة تصنيع دوائي. هذه الخطوة لا يمكن النظر إليها كخبر جانبي داخل التقرير، بل يجب اعتبارها واحدة من أهم الرسائل الاستراتيجية التي حملتها نتائج 2025.
فالسعودية أصبحت اليوم واحدة من أكثر الأسواق جذبًا للاستثمارات الصحية والدوائية في المنطقة، في ظل التوسع في سياسات التوطين، وتشجيع التصنيع المحلي، وتعزيز سلاسل الإمداد الوطنية. وإذا تمكنت جلفار من ترسيخ موطئ قدم صناعي قوي داخل المملكة، فإن ذلك قد يعيد رسم موقعها التنافسي في السوق الخليجي خلال السنوات المقبلة.
كما أن هذه الخطوة تمنح الشركة مزايا استراتيجية متعددة، من بينها الاقتراب من واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة، وتقليل حساسية سلاسل الإمداد، والاستفادة من بيئة استثمارية داعمة، فضلًا عن فتح الباب لشراكات تصنيعية وتجارية جديدة.
ملفات تحتاج متابعة: المخزون والتحصيل
ورغم الصورة الإيجابية العامة، فإن هناك ملفات لا تزال تستحق المتابعة الدقيقة في قراءة وضع جلفار. من أبرز هذه الملفات المخزون، حيث بلغ إجمالي المخزون 554.2 مليون درهم قبل المخصصات، مع مخصص انخفاض في صافي القيمة القابلة للتحقق بلغ 68 مليون درهم. ورغم أن هذا الرقم أقل من العام السابق، فإنه يظل مؤشرًا مهمًا على حساسية إدارة المخزون في قطاع شديد التأثر بتاريخ الصلاحية والتنظيم والطلب الفعلي.
كذلك بلغ إجمالي الذمم التجارية المدينة 661.4 مليون درهم قبل احتساب مخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة، في حين بلغ المخصص 145.3 مليون درهم. وهذه أرقام تتطلب متابعة، لأن جودة التحصيل تظل عنصرًا حاسمًا في المحافظة على السيولة، خاصة مع توسع النشاط إقليميًا واختلاف جودة المدينين بين سوق وآخر.
ومع ذلك، فإن وجود هذه الملفات لا يلغي التحسن، بل يوضح ببساطة أن الشركة ما زالت في مسار إصلاحي يحتاج إلى استمرار الانضباط في 2026 وما بعدها.
ماذا تعني نتائج جلفار لقطاع الدواء الخليجي؟
إذا أردنا تلخيص المعنى الأوسع لنتائج جلفار في 2025، فيمكن القول إن الشركة قدمت نموذجًا واضحًا على أن شركات الدواء الإقليمية قادرة على استعادة المبادرة حين تتبنى مزيجًا من الانضباط المالي، وتحسين التشغيل، وإعادة الهيكلة، والاستثمار الاستراتيجي.
فالنتائج حملت أربع رسائل أساسية للسوق. أولًا، أن النشاط الأساسي قادر على النمو رغم التحديات، بدليل ارتفاع الإيرادات 8.4%. ثانيًا، أن الربحية التشغيلية استعادت توازنها بعد التحول من الخسارة إلى الربح في العمليات المستمرة. ثالثًا، أن خفض الدين وتراجع تكاليف التمويل أعادا بناء صورة مالية أكثر صلابة. رابعًا، أن التوسع الصناعي في السعودية قد يفتح فصلًا جديدًا في مسار الشركة الإقليمي.
وبالنسبة لمتابعي القطاع الصحي وشركات الدواء والمستثمرين، فإن جلفار لم تقدم فقط نتائج سنوية قوية، بل قدمت ما هو أهم: سردية تحول. وإذا استمرت الإدارة في تنفيذ هذه السردية بنفس الدرجة من الانضباط خلال 2026، فقد تتحول الشركة من قصة تعافٍ مالي إلى واحدة من أبرز قصص إعادة التموضع الصناعي في سوق الدواء الخليجي خلال السنوات المقبلة.
للمزيد من اخبار شركات الادوية المصرية والسعودية والعالمية واخبار الصحة و سوق الدواء المصري والسعودي والشرق الاوسط تابع دواء نيوز- أخبار الدواء علي لينكدن :












