في تطوّر متسارع لأزمة حليب الأطفال التابعة لشركة «نستله» العالمية، تداخل البُعد المحلي مع البُعد الدولي في قضية واحدة عنوانها «سلامة غذاء الرضّع». فبعد ساعات من تحذير الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية وسحب تشغيلات محددة من حليب الأطفال NAN وAlfamino وS-26 Gold وS-26 Ultima من الأسواق السعودية، أعلنت «نستله» عن تنفيذ واحدة من أكبر عمليات سحب منتجات في تاريخها، شملت – حتى الآن – 25 دولة في أوروبا وتركيا والأرجنتين، بسبب احتمال تلوّث بعض منتجات تغذية الرضع بسمّ غذائي قد يسبّب الغثيان والقيء.
تحذير سعودي استباقي لحماية الرضّع
في 6 يناير 2026 أصدرت الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية تحذيرًا رسميًا للمستهلكين بشأن عدد من تشغيلات حليب الأطفال الرضّع التابعة لشركة «نستله»، شمل علامات NAN وAlfamino وS-26 Gold وS-26 Ultima، بعد بلاغ طوعي من الشركة باحتمالية تلوّث بعض التشغيلات بسمّ (cereulide) الذي تفرزه بكتيريا Bacillus cereus.
بناءً على ذلك أصدرت الهيئة قرارًا فوريًا بسحب التشغيلات المتأثرة من السوق السعودي، وتابعت – بالتنسيق مع الشركة – تنفيذ عمليات السحب من منافذ البيع والصيدليات والمستشفيات، مع نشر قوائم تفصيلية بأرقام التشغيلات، وتواريخ الإنتاج والانتهاء، ودول المنشأ، ليتمكّن المستهلكون والجهات الصحية من التحقق بدقة من المنتجات الموجودة لديهم.
وأكدت «الغذاء والدواء» آنذاك أنه لم تُسجَّل حالات مرضية مؤكدة في المملكة مرتبطة بهذه المنتجات، وأن القرار يأتي في إطار نهج احترازي يضع صحة الرضّع في مقدمة الأولويات، ويمنع أي احتمال لتعرّضهم لتسمّم غذائي مهما كانت نسبة الخطر.
سحب واسع النطاق في 25 دولة
في السياق نفسه، كشفت «نستله» على الصعيد العالمي أنها شرعت في سحب عدد كبير من منتجات تغذية الأطفال الرضع في 23 دولة أوروبية، إضافة إلى تركيا والأرجنتين، ليصل عدد الدول المتأثرة إلى 25 دولة. ويشمل السحب تركيبات حليب أطفال تحمل علامات مثل SMA وBEBA وNAN، إلى جانب بعض المنتجات الغذائية التكميلية المخصّصة للرضّع.
وأوضحت الشركة أن هذا الإجراء جاء بعد اكتشاف مشكلة في جودة أحد المكوّنات الواردة من مورد رئيسي – وهو مزيج من الزيوت يحتوي على حمض الأراكيدونيك – ما استدعى إجراء اختبارات شاملة على جميع شحنات الزيوت المستخدمة في تصنيع منتجات تغذية الرضع التي يُحتمل تأثرها.
وبعد اكتمال الاختبارات، قرّرت «نستله» سحب المنتجات المتضرّرة من الأسواق، وتفعيل موردين بديلين لحمض الأراكيدونيك، وزيادة الإنتاج في عدد من المصانع العالمية، وتسريع توزيع المنتجات غير المتأثرة للحفاظ على استمرارية الإمداد وعدم حدوث نقص في الأسواق.
سمّ «السيريوليد»… الخطر غير المرئي
تتمثّل خطورة الأزمة في احتمالية تلوّث بعض المنتجات بسمّ «السيريوليد» (Cereulide)، وهو سم تنتجه بعض سلالات بكتيريا Bacillus cereus. ووفقًا لوكالة معايير الغذاء البريطانية، فإن هذا السم لا يُدمَّر بسهولة بالمعالجة الحرارية أو الغليان، ولا يختفي عند تحضير الحليب بالماء الساخن، ما يعني أن طرق التحضير التقليدية لا تكفي لإبطال مفعوله.
تقول جين رولينغ، رئيسة قسم الحوادث في وكالة معايير الغذاء: «يمكن أن تسبّب مادة السيريوليد أعراض تسمّم غذائي تظهر بسرعة وتشمل القيء وتشنجات في المعدة»، وهي أعراض قد تكون خطيرة على الرضّع وصغار الأطفال نظرًا لحساسية أجسامهم وفقدانهم للسوائل بسرعة.
أكبر عملية سحب في تاريخ «نستله»؟
وزارة الصحة النمساوية وصفت عملية السحب الحالية بأنها الأكبر في تاريخ «نستله»، مشيرةً إلى أنها تشمل أكثر من 800 منتج تم تصنيعها في أكثر من 10 مصانع مختلفة حول العالم. ورغم أن الشركة لم تؤكّد بعد هذه الأرقام رسميًا، فإن حجم الاستجابة – من حيث عدد المنتجات والدول – يعكس مدى جدّية الحدث وتأثيره على سلسلة توريد تغذية الرضع عالميًا.
وأعلنت «نستله» أنها نشرت على مواقعها الرسمية قوائم بأرقام التشغيلات المتأثرة في كل دولة من الدول الـ 25، مؤكدةً أن هذه المنتجات «لا ينبغي استهلاكها»، وأنها تعمل على تقليل أي اضطراب في سلاسل الإمداد من خلال إعادة توزيع المنتجات السليمة وتسريع الإنتاج البديل.
أما في هولندا، فقد أكدت هيئة سلامة الأغذية (NVWA) أن تحقيقًا داخليًا أجرته «نستله» أظهر استخدام المادة الخام الملوّثة في مواقع إنتاج متعددة، داخل هولندا وخارجها، وهو ما يفسّر اتساع نطاق السحب إلى هذا الحد.
بعد اقتصادي وضغط على الإدارة الجديدة
تأتي هذه الأزمة في توقيت حسّاس للشركة السويسرية، التي تُعد أكبر لاعب عالمي في سوق تغذية الرضع بحصة تقارب الربع من سوق تبلغ قيمته 92.2 مليار دولار عالميًا، وفق تقديرات مجموعة «سكاي كويست للتكنولوجيا».
وتشكّل منتجات حليب الأطفال جزءًا رئيسيًا من قسم «التغذية والعلوم الصحية» في «نستله»، والذي مثّل 16.6% من إجمالي مبيعات الشركة البالغة 91.4 مليار فرنك سويسري (نحو 115.4 مليار دولار) في عام 2024.
هذا السحب الواسع يفرض ضغطًا إضافيًا على الرئيس التنفيذي الجديد فيليب نافراتيل، الذي يحاول إنعاش النمو عبر مراجعة شاملة لمحفظة المنتجات بعد فترة من الاضطرابات الإدارية. وقد تراجعت أسهم «نستله» بأكثر من 3% في جلستين متتاليتين بالتزامن مع الإعلان عن السحب، في مؤشر على قلق المستثمرين من آثار الأزمة على أداء الشركة وسمعتها.
التسمّم الغذائي وحساسية سوق حليب الأطفال
سوق حليب الأطفال شديد الحساسية لأي مشكلات تتعلق بالجودة أو السلامة؛ إذ سبق أن واجهت شركات أخرى في القطاع ضغوطًا قانونية وتنظيمية كبيرة بسبب قضايا مشابهة. فشركة Reckitt، على سبيل المثال، ما زالت تدرس خيارات متعددة بشأن أعمالها في «ميد جونسون» تحت وطأة مئات الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة، على خلفية مزاعم بأن بعض منتجات حليب الأطفال قد ترتبط بمرض معوي خطير لدى الأطفال الخدّج – وهي مزاعم تنفيها الشركة.
في هذا السياق، تدرك «نستله» أن تداعيات أي خطأ في منتجات الرضع لا تُقاس فقط بحجم الخسائر المالية، بل بمدى تأثر ثقة الأُسر والأطباء والعاملين في القطاع الصحي. ولهذا تحرص الشركة – ومعها الهيئات التنظيمية كهيئة الغذاء والدواء السعودية – على اتخاذ إجراءات سريعة وشفافة للسيطرة على الموقف وتقليل المخاطر.
دور الهيئات التنظيمية… تجربة السعودية نموذجًا
تحرّك الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية يُعد نموذجًا على كيفية استجابة الهيئات الرقابية لمثل هذه الأزمات. فالهيئة لم تكتفِ بالبلاغ الطوعي من الشركة، بل أصدرت تحذيرًا مفصلًا، ونشرت جداول رقمية بالتشغيلات المتأثرة، وأتاحت رمز استجابة سريعة (QR) يسهّل على المستهلكين الوصول إلى المعلومات.
كما أوصت الأسر بالتوقّف الفوري عن استخدام أي منتج يتطابق مع بيانات التشغيلات المحذَّرة، والتخلّص منه بطريقة آمنة، ومراجعة الطبيب في حال ظهور أعراض غير طبيعية على الأطفال، مع إمكانية الإبلاغ عن أي حالات اشتباه عبر الرقم الموحّد (19999) أو تطبيق «طمني».
إلى جانب ذلك، ذكّرت الهيئة بأن مخالفة نظام الغذاء ولوائحه التنفيذية – بما في ذلك تداول منتجات قد تشكّل خطرًا صحيًا – يمكن أن تترتب عليه عقوبات تصل إلى السجن لمدة لا تزيد على 10 سنوات أو غرامة قدرها 10 ملايين ريال أو كليهما، في رسالة واضحة لكل المتعاملين في سلسلة الغذاء.
ما الذي يعنيه ذلك للأسر والقطاع الصحي؟
على المستوى العملي، توجّه هذه التطورات رسائل أساسية:
-
ضرورة أن تتحقق الأسر من بيانات عبوات حليب الأطفال الموجودة لديها، سواء من العلامات العالمية أو البديلة، ومطابقتها مع القوائم الرسمية الصادرة عن الهيئات الرقابية.
-
أهمية الاحتفاظ بالفواتير والعبوات لفترة زمنية كافية، لأنها تساعد في تتبع التشغيلات وتحديد مصدر أي مشكلة محتملة.
-
تشجيع الأطباء والصيادلة على متابعة تحديثات الهيئات التنظيمية والشركات المصنّعة، وإبلاغ الأسر بأي تغييرات أو تحذيرات متعلقة بمنتجات تغذية الرضع.
أما بالنسبة للقطاع الصحي وصنّاع القرار، فإن الأزمة تبرز أهمية توطين تصنيع بعض المنتجات الحساسة، وتشديد الرقابة على سلاسل التوريد العالمية، وتعزيز برامج الإنذار المبكر لمخاطر التسمّم الغذائي في الأغذية الموجّهة للأطفال.
خلاصة
بين تحذير «الغذاء والدواء» السعودي والسحب الواسع الذي تنفّذه «نستله» في 25 دولة، تتأكد حقيقة واحدة: سلامة حليب الأطفال ليست مجرّد قضية تجارية، بل ملف صحي واقتصادي واستراتيجي يمسّ ثقة الأُسر في المنظومة الغذائية والدوائية بأكملها. ومع أن الشركة تؤكد حتى الآن عدم تسجيل حالات مرضية مؤكدة مرتبطة بالمنتجات المسحوبة، فإن الدرس الأهم هو أن الرقابة الصارمة والشفافية السريعة والتعاون بين الشركات والهيئات التنظيمية تبقى خط الدفاع الأول لحماية أصغر أفراد المجتمع.












