هذا الخبر برعاية شركة Resources-One، الشركة الرائدة في حوكمة الموارد البشرية والاستشارات الإدارية والتدريب على الجودة، لبناء بيئات عمل أكثر احترافية وتعاونًا واستدامة.
الضغط يتصاعد مع شيخوخة السكان والكوادر الطبية معاً.. ودول الدخل المرتفع تواجه التحدي الأكبر مع اقتراب طبيب من كل ثلاثة من سن التقاعد خلال العقد المقبل
حذرت منظمة الصحة العالمية «WHO» من موجة متصاعدة من الضغوط على القوى العاملة الصحية عالمياً، بعدما كشفت أحدث بياناتها أن نحو طبيب من كل أربعة أطباء في المتوسط تجاوز عمره 55 عاماً ويقترب من التقاعد خلال العقد المقبل، في وقت قد يصل فيه العجز العالمي في القوى الصحية إلى 11.1 مليون عامل صحي بحلول 2030.
ويأتي التحذير ضمن تقرير المنظمة الجديد National Health Workforce Accounts: Health Workforce Levels and Trends 2026، الذي يقدم صورة عالمية موسعة عن مستويات واتجاهات القوى العاملة الصحية اعتماداً على البيانات الرسمية التي ترسلها الدول إلى منظمة الصحة العالمية. ويضع التقرير هذه المرة مسألة شيخوخة العاملين بالقطاع الصحي بالتوازي مع شيخوخة السكان في قلب المخاطر التي قد تواجه أنظمة الرعاية خلال السنوات المقبلة.
وبحسب المنظمة، فإن التحدي لا يتعلق فقط بخروج أعداد كبيرة من الأطباء من سوق العمل، وإنما يحدث في الوقت نفسه الذي يرتفع فيه الطلب على الخدمات الصحية بفعل تقدم أعمار السكان وزيادة الاحتياجات العلاجية، ما يخلق ما وصفته المنظمة بـضغط مزدوج على الأنظمة الصحية.
الحقائق الرسمية | طبيب من كل أربعة يقترب من التقاعد
تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية أن نحو 25% من الأطباء في المتوسط يزيد عمرهم على 55 عاماً، استناداً إلى أحدث البيانات المتاحة من 122 دولة، ومن المتوقع أن يصل عدد كبير منهم إلى سن التقاعد خلال السنوات العشر المقبلة.
وترتفع النسبة بصورة أكبر في الدول مرتفعة الدخل، حيث يقترب طبيب من كل ثلاثة من التقاعد خلال العقد المقبل، ما يجعل الاقتصادات الأكثر ثراءً، ومنها عدد كبير من الدول الأوروبية، من أكثر الأنظمة الصحية تعرضاً لضغوط استبدال الكوادر والمحافظة على القدرة التشغيلية للمستشفيات ومؤسسات الرعاية.
وقالت المنظمة إن شيخوخة القوى العاملة الصحية أصبحت أزمة غير ظاهرة تتطلب اهتماماً عاجلاً، خصوصاً في البلدان التي يتزامن فيها ارتفاع أعمار الأطباء والممرضين مع ارتفاع متوسط أعمار السكان.
11.1 مليون عامل صحي قد يمثلون فجوة العالم في 2030
يمثل التقاعد جانباً واحداً فقط من المشكلة؛ إذ تتوقع منظمة الصحة العالمية أن يصل العجز العالمي في العاملين بالقطاع الصحي إلى نحو 11.1 مليون شخص بحلول عام 2030.
ويشمل هذا التقدير قطاعات مختلفة من القوى الصحية، ولا يقتصر على الأطباء فقط، إذ تمتد الفجوة إلى التمريض والقبالة والتخصصات الصحية الأخرى.
وتقول المنظمة إن 67 دولة قد لا تمتلك بحلول 2030 عدداً كافياً من العاملين الصحيين لتلبية احتياجات سكانها بالمستوى الحالي، ما يجعل أزمة القوى البشرية أحد أكبر التحديات التي تواجه قدرة الأنظمة الصحية على الحفاظ على الخدمات الأساسية.
وتشير بيانات التقرير إلى أن هذه الدول قد تحتاج مجتمعة إلى نحو 832 ألف عامل صحي إضافي بحلول 2030 فقط للحفاظ على كثافة القوى العاملة الصحية بالنسبة إلى السكان، وفق تقديرات التقرير.
أكثر من 70 مليون عامل صحي حول العالم.. لكن التوزيع غير متوازن
ورغم الصورة المقلقة، سجل العالم توسعاً كبيراً في أعداد العاملين الصحيين خلال العقدين الماضيين.
فقد ارتفعت كثافة القوى الصحية العالمية، التي تشمل الأطباء والتمريض والقبالة وأطباء الأسنان والصيادلة، بنحو 52%، من 44.8 عامل صحي لكل 10 آلاف نسمة في 2006 إلى 67.9 في 2025.
ويعمل حالياً أكثر من 70 مليون شخص في قطاعي الصحة والرعاية حول العالم، وهو مستوى أعلى بصورة واضحة مقارنة بالسنوات الماضية.
إلا أن منظمة الصحة العالمية تحذر من أن المتوسط العالمي يخفي فجوات ضخمة بين الدول والمناطق.
فكثافة الأطباء في إقليم أوروبا التابع لمنظمة الصحة العالمية تبلغ نحو 13 ضعف مثيلتها في الإقليم الأفريقي، بينما تبلغ كثافة التمريض والقبالة في أوروبا نحو 6 أضعاف المستوى المسجل في أفريقيا.
وهذا يعني أن زيادة أعداد العاملين على المستوى العالمي لم تُترجم بالضرورة إلى توزيع متوازن أو قدرة متساوية لجميع الدول على توفير الرعاية الصحية.
الأزمة مختلفة بين الدول الغنية والفقيرة
تبدو المفارقة واضحة في التقرير الجديد.
فالدول مرتفعة الدخل تمتلك في كثير من الحالات أعداداً أكبر من الأطباء والممرضين مقارنة بالسكان، لكنها تواجه مشكلة ارتفاع متوسط أعمار العاملين واقتراب نسب كبيرة منهم من التقاعد.
أما الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، فتدخل السنوات المقبلة وهي تعاني في الأصل من انخفاض كثافة القوى الصحية، إلى جانب تحديات التدريب والتمويل والهجرة الخارجية للعاملين.
وقد يدفع النقص المتزايد في الدول الغنية تلك الأسواق إلى الاعتماد بصورة أكبر على استقدام الأطباء والممرضين من الخارج، وهو ما حذرت منه تقارير المنظمة باعتباره عاملاً قد يزيد الضغوط على الدول الأقل دخلاً التي تحتاج هي نفسها إلى الاحتفاظ بكوادرها الصحية.
خطر «سحب الكفاءات» من الأنظمة الصحية الأضعف
إذا بدأت الدول التي تواجه موجات تقاعد واسعة في تعويض النقص من خلال التوظيف الدولي، فقد تتوسع المنافسة العالمية على الأطباء والتمريض.
وهنا تظهر إشكالية مزدوجة: الدول الغنية تستطيع تقديم حوافز مالية ومهنية أكبر، بينما قد تجد الدول الأضعف نفسها تخسر كوادر سبق أن استثمرت سنوات وموارد كبيرة في تعليمها وتدريبها.
ولهذا لا تنظر منظمة الصحة العالمية إلى القضية باعتبارها مجرد مشكلة توظيف وطنية، بل باعتبارها مشكلة عالمية في تخطيط وتوزيع القوى البشرية الصحية.
ومن شأن زيادة الهجرة الصحية دون سياسات متوازنة أن تجعل العجز موزعاً بصورة أكثر تفاوتاً، بحيث تستطيع أنظمة غنية تعويض جزء من النقص لديها على حساب دول تمتلك أساساً كثافة أقل من الأطباء.
سن الـ55 أصبح مؤشراً مهماً لتخطيط القوى البشرية
يعتمد التحذير الجديد بدرجة كبيرة على التركيبة العمرية للأطباء.
فوجود نحو ربع الأطباء فوق سن 55 لا يعني أن جميعهم سيغادرون العمل في موعد واحد، كما أن سن التقاعد يختلف بين الدول والأنظمة الصحية.
لكن الرقم يعطي للحكومات مؤشراً مبكراً حول حجم الاستبدال الذي قد تحتاج إليه خلال العقد المقبل.
فإذا كان عدد الخريجين الجدد أقل من أعداد الخارجين من سوق العمل، أو إذا كانت الدولة تعاني معدلات مرتفعة من هجرة الأطباء، فقد تتسع الفجوة بصورة أسرع.
ولهذا ركزت المنظمة في توصياتها على تحسين التخطيط والتعليم والتوظيف والاحتفاظ بالقوى العاملة وليس فقط زيادة أعداد الطلاب المقبولين في كليات الطب.
زيادة مقاعد كليات الطب وحدها لا تكفي
يمثل تدريب طبيب جديد عملية طويلة تمتد لسنوات، تبدأ بالدراسة الجامعية وتستمر خلال التدريب والتخصص واكتساب الخبرة السريرية.
ولذلك فإن الدول التي تنتظر وصول الأطباء الحاليين إلى التقاعد قبل زيادة قدرتها التدريبية قد تواجه فجوة زمنية يصعب تعويضها بسرعة.
كما أن زيادة أعداد الخريجين لا تضمن وحدها بقاءهم في النظام الصحي؛ إذ تحتاج الدول أيضاً إلى توفير وظائف مناسبة، وبيئة عمل مستقرة، ورواتب قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات، ومسارات مهنية واضحة.
وتشير منظمة الصحة العالمية بصورة مباشرة إلى أن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى سياسات مترابطة تشمل التخطيط طويل الأجل، والتعليم، والتوظيف، والاحتفاظ بالعاملين.
شيخوخة السكان تضيف طبقة ثانية من الضغط
الأزمة ليست مرتبطة بعمر الطبيب فقط.
فمع زيادة أعداد كبار السن، يرتفع عادة الطلب على خدمات متابعة الأمراض المزمنة والرعاية المتخصصة والرعاية طويلة الأجل، ما يعني أن الأنظمة الصحية قد تحتاج إلى عمالة أكبر وليس فقط تعويض من يتقاعدون.
وتصف منظمة الصحة العالمية الوضع بأنه تزامن بين شيخوخة العاملين وشيخوخة المرضى، وهو ما قد يؤدي إلى تضاعف الضغط في بعض الدول خلال العقد المقبل.
وتصبح المعادلة أكثر صعوبة عندما ترتفع احتياجات السكان الصحية في الوقت الذي تنخفض فيه أعداد القوى البشرية المتاحة.
التمريض والقبالة جزء أساسي من الأزمة
رغم أن العنوان الأبرز في التقرير يتعلق بتقاعد الأطباء، فإن أزمة القوى الصحية لا تقتصر عليهم.
فالتقرير يتناول بصورة أوسع الأطباء والتمريض والقبالة وأطباء الأسنان والصيادلة، ويؤكد استمرار الفوارق الكبيرة في أعداد العاملين بين المناطق والدول.
ويعد التمريض على وجه الخصوص عنصراً حاسماً في قدرة المستشفيات على تشغيل الأسرة، وتقديم الرعاية المستمرة، وتنفيذ الخطط العلاجية، وبالتالي فإن زيادة أعداد الأطباء دون معالجة نقص التمريض لا تكفي وحدها للحفاظ على كفاءة النظام.
90% من دول المنظمة أصبحت توفر بيانات للقوى الصحية
من الجوانب الإيجابية التي أشار إليها التقرير تحسن قدرة منظمة الصحة العالمية على جمع البيانات.
فأكثر من 90% من الدول الأعضاء قدمت بصورة نشطة بيانات عن القوى العاملة الصحية خلال 2025، فيما ارتفع حجم البيانات المتاحة بنحو 20 مرة تقريباً منذ إطلاق نظام الحسابات الوطنية للقوى الصحية في 2017.
وتكتسب هذه البيانات أهمية لأن التخطيط لأعداد الأطباء والممرضين خلال عشر سنوات يحتاج إلى معرفة دقيقة بالأعمار والتخصصات والتوزيع الجغرافي ومعدلات الخروج والدخول إلى سوق العمل.
أزمة الأطباء تتحول إلى ملف اقتصادي واستثماري
لا تتوقف تداعيات نقص الأطباء عند القطاع الصحي نفسه.
فالعجز المزمن في الكوادر قد يرفع تكاليف تشغيل المستشفيات، ويزيد المنافسة على الرواتب، ويرفع الاعتماد على الأطباء المؤقتين أو العاملين القادمين من الخارج، ويؤثر على القدرة على تشغيل توسعات المستشفيات الجديدة.
كما يمكن أن ينعكس على شركات التأمين ومقدمي الرعاية الصحية وشركات التكنولوجيا الصحية، التي ستواجه ضغوطاً متزايدة لرفع الإنتاجية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والأتمتة والرعاية عن بُعد لتخفيف بعض العبء التشغيلي على الكوادر البشرية.
ولا تعني التكنولوجيا إمكانية استبدال الطبيب، لكنها قد تصبح أداة أكثر أهمية في إعادة تصميم سير العمل، وتقليل المهام الإدارية، وتحسين استخدام وقت العاملين الصحيين.
تحليل دواء نيوز | الأزمة الحقيقية ليست التقاعد وحده.. بل سرعة تعويض من سيغادرون
يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تحول مهم في ملف نقص العاملين بالقطاع الصحي.
فخلال السنوات الماضية كان النقاش العالمي يركز بدرجة كبيرة على عدد الأطباء والممرضين المتاحين حالياً، لكن التقرير الجديد يضيف سؤالاً أكثر تعقيداً: كم منهم سيظل في الخدمة بعد خمس أو عشر سنوات؟
وجود نحو طبيب من كل أربعة فوق سن 55 يعني أن الدول تحتاج إلى النظر إلى هرم أعمار القوى الطبية بنفس الطريقة التي تنظر بها الشركات الكبرى إلى خطط تعاقب القيادات.
فالأنظمة الصحية تحتاج إلى إعداد أجيال جديدة قبل خروج الخبرات القديمة، وليس بعد حدوث النقص.
كما أن الوضع قد يدفع الدول الغنية إلى تسريع استقطاب الأطباء من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وهو ما يمكن أن يزيد اختلال التوزيع العالمي بدلاً من حل المشكلة.
ومن منظور دواء نيوز، فإن الرقم الأهم ليس فقط 11.1 مليون عامل صحي كعجز متوقع بحلول 2030، وإنما أن الأزمة تأتي في وقت تتحول فيه الرعاية الصحية عالمياً نحو نموذج يحتاج إلى كوادر أكثر تخصصاً نتيجة زيادة الأمراض المزمنة والشيخوخة والطب الدقيق والعلاجات الجديدة.
وهذا يعني أن المشكلة ليست مجرد توفير «عدد أكبر» من الأطباء، بل توفير التخصص الصحيح، في المكان الصحيح، وفي الوقت المناسب.
كما ستزداد أهمية الاستثمار في إنتاجية القوى الصحية: تقليل الأعمال الإدارية، وتسريع التشخيص، واستخدام الأدوات الرقمية، وتحسين تدفق المرضى، ودعم الأطباء بالتكنولوجيا، بحيث يستطيع النظام تقديم مستوى أكبر من الرعاية باستخدام موارده البشرية المتاحة بكفاءة أعلى.
ماذا يجب مراقبته حتى 2030؟
سيكون من المهم متابعة ما إذا كانت الدول ستزيد القدرة الاستيعابية لكليات الطب والتمريض، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بالخريجين داخل أنظمتها الصحية، واتجاهات الهجرة الطبية بين الدول.
كما ستكون أعمار القوى العاملة عاملاً مهماً في تقييم خطط توسع المستشفيات؛ لأن بناء منشآت جديدة من دون توافر كوادر كافية لتشغيلها قد يحول الاستثمار الرأسمالي إلى طاقة غير مستغلة بالكامل.
وبالنسبة للقطاع الخاص، يمكن أن تصبح القوى البشرية المؤهلة أحد أكثر الأصول تنافسية في الرعاية الصحية خلال العقد المقبل، إلى جانب البنية التحتية والتكنولوجيا ورأس المال.
الخلاصة
حذرت منظمة الصحة العالمية من ضغط متزايد على القوى الصحية العالمية، بعدما أظهر تقريرها لعام 2026 أن نحو طبيب من كل أربعة في المتوسط يتجاوز عمره 55 عاماً ويقترب من التقاعد خلال العقد المقبل، استناداً إلى أحدث البيانات المتاحة من 122 دولة.
وترتفع النسبة إلى نحو طبيب من كل ثلاثة في الدول مرتفعة الدخل، بينما قد يصل إجمالي العجز العالمي في القوى الصحية إلى 11.1 مليون شخص بحلول 2030.
كما تتوقع المنظمة أن تواجه 67 دولة نقصاً يمنعها من الحفاظ على احتياجاتها الحالية من القوى الصحية بحلول 2030، فيما تشير التقديرات إلى فجوة تقارب 832 ألف عامل صحي في هذه الدول فقط للحفاظ على مستويات الكثافة الحالية.
ورغم ارتفاع كثافة القوى الصحية عالمياً بنسبة 52% خلال العقدين الماضيين ووصول عدد العاملين بالصحة والرعاية إلى أكثر من 70 مليون شخص، لا تزال الفجوات الجغرافية شديدة؛ فكثافة الأطباء في أوروبا تبلغ نحو 13 ضعف أفريقيا.
والرسالة الأساسية في تحذير المنظمة هي أن العالم يواجه خلال السنوات المقبلة أزمتين في الوقت نفسه: سكاناً أكبر سناً يحتاجون إلى رعاية أكثر، وقوى صحية أكبر سناً تقترب نسبة كبيرة منها من الخروج من سوق العمل.












اترك تعليقاً
لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *